الوساطة (Al-Wasāṭah)




التسوية البديلة للنزاعات: الوساطة كآلية فعالة لتسوية النزاعات قبل التقاضي



«صلحٌ غيرُ كاملٍ خيرٌ من حربٍ كاملة»

 

تُعد الوساطة وسيلة حديثة وخارجة عن نطاق القضاء لتسوية النزاعات، وتتم بمشاركة طرف ثالث محايد ومستقل (الوسيط)، وتهدف إلى التوصل إلى حل وسط معقول يراعي المصالح المشتركة لجميع الأطراف.

 

وبموجب التشريعات الخاصة المنظمة لهذه الآلية، تتمتع مخرجات عملية الوساطة بقوة قانونية ملزمة، ويمكن توثيقها في صورة اتفاقية تسوية النزاع، مما يغني عن الحاجة إلى سلوك مسار الدعوى القضائية (في حال عدم رغبة الأطراف في ذلك).

 

وفي الممارسة العملية، غالباً ما تُوكل مهام الوسيط أو إدارة إجراءات الوساطة إلى المحامي. ويثمر ذلك منح الممثل القانوني الصلاحيات اللازمة لإجراء مفاوضات موضوعية وحسم النزاع بنحو بناء دون الخوض في إجراءات قضائية مطولة.

 

الإطار الإجرائي وتقييم المخاطر



تستند عملية التفاوض إلى تقييم شامل للمخاطر الإجرائية والمالية؛ حيث يجري التوفيق بين الأدلة الموضوعية والمبررة مع الأخذ بعين الاعتبار المواقف القانونية لكل طرف في حال اللجوء إلى القضاء.

 

وفقاً للممارسة العملية لدينا، تصل نسبة القضايا التي تسفر عن تسوية ناجحة قبل التقاضي إلى 30% من إجمالي القضايا التي كانت الوساطة فيها ممكنة موضوعياً.

 

وتتمثل الخطوة الأولى والأهم للمحامي في عملية الوساطة في احتواء النزاع الشخصي والانفعالي بين الأطراف، ونقل النقاش إلى إطار قانوني ومالي عملي.

 

الشروط الأساسية للنجاح وإضفاء الصفة القانونية على النتائج



لتتكلل الوساطة بالنجاح، تقتضي وجود رغبة متقابلة لدى الأطراف للتوصل إلى حل وسط دون تحمل الأعباء الزمنية والمالية للمحاكمات، وتجنب المخاطر المصاحبة—مثل الحجز على الممتلكات والأصول أو غيرها من التدابير التحفظية.

 

ومع ذلك، أثبتت الخبرة العملية أنه قد يكفي أحياناً صدور المبادرة من طرف واحد فقط لتوجيه النزاع بنحو عقلاني ومبرر نحو نهاية مقبولة لكلا الطرفين.

 

ويجري إضفاء الصفة القانونية على مخرجات الوساطة من خلال:

 



  • إبرام اتفاقية تسوية النزاع أو مذكرات/عقود التوافق المتبادل؛



  • رفع دعوى قضائية (بناءً على رغبة الأطراف) لغرض مصادقة المحكمة على اتفاق التسوية وإعطائه قوة السند التنفيذي وفق الشروط المتفق عليها.




الحالات التي لا تكون فيها الوساطة فعالة



تُظهر التجربة العملية أنه يصبح من الممتنع تقريباً التوصل إلى حل وسط عن طريق الوساطة في الحالات التالية:

 



  • عدم تقديم تسوية متوازنة ومسببة للطرف الآخر؛



  • تجاهل أحد الأطراف للمخاطر والتكاليف المالية والمدد الزمنية للمحاكمة، مدفوعاً ببديهية: «الغاية هي النصر بأي ثمن»؛



  • كون سبب النزاع ناتجاً عن الاحتيال أو سوء النية من أحد الأطراف؛



  • نشوء النزاع حصراً عن عداء شخصي وثيق وشديد بين الأطراف.




المزايا الاستراتيجية لعملية الوساطة



حتى في حال عدم انتهاء إجراءات الوساطة بإبرام اتفاق، فإنها تحقق نتائج إيجابية ملموسة؛ إذ يبدأ الأطراف في التعاطي مع النزاع ليس كأزمة انفعالية بل كمهام إجرائية تتطلب موارد مشتركة مع ناتج قضائي متوقع، وهو ما يسهم غالباً في تهدئة الأطراف الأكثر تعنتاً.

 

إن أساس أي حل وسط هو الرغبة في الاستماع وتبادل الحجج الموضوعية.